السيد محمدحسين الطباطبائي

101

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

ولا محدودة بحدّ ، وأنّ القدر والحدّ في مرتبة الإنزال والخلق ، والكثرة التي فيها وتعدّدها ليست من جنس الكثرة العدديّة الملازمة للقدر والحدّ ، بل تعدّد المراتب والدرجات ، وسيجيء شرحها في سورة الحجر إن شاء اللّه . فتحصّل : أنّ هؤلاء - الذين عرضهم اللّه تعالى على الملائكة - موجودات محفوظة عند اللّه تعالى ، محجوبة بحجب الغيب ، أنزل سبحانه كلّ اسم في العالم بخيرها وبركتها ، واشتقّ كلّ ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها ، وأنّهم على كثرتهم وتعدّدهم لا يتعدّدون تعدّد الأفراد ، ولا يتفاوتون تفاوت الأشخاص ، وإنّما الأمر يدور هناك مدار المراتب والدرجات ، ونزول الاسم من عندهم إنّما هو بهذا القسم من النزول ، كما سيجيء . ومن هنا يظهر معنى « غيب السماوات والأرض » ؛ وذلك أنّ الإضافة هناك إمّا بمعنى « من » أو بمعنى « اللام » وبعبارة أخرى : مصداق غيب السماوات والأرض إمّا من غير جنس الموجودات السماويّة والأرضيّة ، فيكون موجودا خارجا عن عالم السماء والأرض ، أو من جنس موجوداتهما ، أو الأعمّ من ذلك ، وقد استعمل الغيب في كلامه تعالى في كلّ منها : قال سبحانه : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ « 1 » وقال تعالى : فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ « 2 » وقال تعالى : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . * « 3 » ويلزم على غير التقدير الأوّل أن يكون قوله : أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ على غير النظم البليغ ؛ فإنّ

--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 59 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 34 . ( 3 ) . هود ( 11 ) : 123 ؛ النحل ( 16 ) : 77 .